زيدان في قيادة فرنسا: حلم طال انتظاره.. وتحدي النجوم
في خطوة طال انتظارها، يستعد زين الدين زيدان، أحد أبرز أساطير كرة القدم الفرنسية، لقيادة منتخب "الديوك" نحو حقبة جديدة. بعد سنوات من النجاحات الباهرة كمدرب مع ريال مدريد، حيث حقق ثلاثة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، يضع زيدان نصب عينيه حلم تدريب المنتخب الوطني، الطموح الذي لطالما صرح به. يأتي هذا التعيين ليضع حداً لـ 14 عاماً من القيادة المتواصلة لديدييه ديشان، الذي قاد فرنسا إلى مجد الفوز بكأس العالم 2018.
رحلة انتظار وإصرار: حلم "الديوك"
لم يكن وصول زيدان إلى مقعد المدير الفني للمنتخب الفرنسي محض صدفة، بل هو تتويج لرحلة طويلة من الانتظار والتخطيط. بدأت المحادثات بين زيدان والاتحاد الفرنسي لكرة القدم في وقت مبكر من فبراير 2025، بعد إعلان ديشان نيته التنحي عقب مونديال 2026. في مؤتمره الصحفي الأول، أكد زيدان على مدى شوقه لهذه الفرصة، قائلاً بكلمات مؤثرة: "لقد تلقيت العديد من العروض خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية، لكنني رفضتها جميعاً. المنتخب الوطني هو الشيء الوحيد الذي أردته". هذا التصريح يعكس العزم والإصرار الذي يتمتع به زيدان، والذي لطالما ميز مسيرته كلاعب ومدرب.
غموض تكتيكي وتطلعات هجومية: بصمة "زيزو" المنتظرة
على الرغم من حماسه الواضح، فضل زيدان عدم الخوض في تفاصيل تكتيكية أو خطط لعب محددة خلال مؤتمره الصحفي. وعند سؤاله عن قائد الفريق المستقبلي أو نجم الفريق كيليان مبابي، اكتفى بالإجابة: "الأهم بالنسبة له الآن هو الراحة، ستتاح لنا الفرصة للتحدث في سبتمبر". هذا النهج المتحفظ قد يعكس رغبته في دراسة الفريق عن كثب قبل وضع اللمسات الأخيرة على خططه. ومع ذلك، ألمح زيدان إلى نيته في "فعل الأمور بشكل مختلف"، وهو ما أكده استدعاؤه لخمسة لاعبين لأول مرة لتمثيل المنتخب. يرى زيدان أن هناك قدراً من "الاستمرارية" مع عمل سلفه، ديشان، والذي أثنى عليه بشدة، مؤكداً: "سأحاول أن أفعل ما أعرفه، لكنها لن تكون استراحة كاملة".
إرث ميداني وأرقام قياسية: زيدان اللاعب والمدرب
مسيرة زين الدين زيدان الكروية هي قصة أسطورة بحد ذاتها. كلاعب، كان "زيزو" أحد أمهر وأكثر لاعبي خط الوسط إثارة في جيله. قاد فرنسا للتتويج بكأس العالم 1998، مسجلاً هدفين في النهائي، وكأس الأمم الأوروبية 2000، وكان النجم الأبرز في يورو 2000. انتقل من كان الفرنسي وبوردو، ليحط رحاله في يوفنتوس حيث فاز بالعديد من الألقاب، قبل أن ينتقل إلى ريال مدريد في صفقة قياسية آنذاك. مسيرته كلاعب انتهت بشكل دراماتيكي في نهائي كأس العالم 2006، لكن إرثه كلاعب لا يزال خالداً.
كمدرب، أثبت زيدان عبقريته مع ريال مدريد، حيث قاد الفريق لتحقيق إنجاز تاريخي بالفوز بثلاثة ألقاب متتالية في دوري أبطال أوروبا، وهو إنجاز لم يسبق له مثيل. اشتهر بقدرته على التعامل مع النجوم الكبار وإدارة غرفة الملابس بفعالية، وهي مهارة ستكون حاسمة في قيادة الجيل الذهبي الحالي للمنتخب الفرنسي.
تحدي النجوم: كيف سيستغل زيدان موهبة فرنسا؟
يمتلك زيدان الآن ترسانة من المواهب الفردية التي تحسده عليها معظم المنتخبات في العالم، وعلى رأسهم النجم كيليان مبابي، عثمان ديمبيلي، راندال كولو مواني، وأنطوان غريزمان. يشبه مبابي تجربة اللعب تحت قيادة زيدان بـ "الفيلم السينمائي"، مما يعكس الاحترام الكبير الذي يحظى به المدرب الجديد. يرى الكثيرون أن زيدان، بفضل كاريزمته وقدرته على استخلاص أفضل ما لدى لاعبيه، هو المدرب المثالي لقيادة هذا الجيل.
يُعتقد أن أسلوب زيدان الهجومي، المستوحى من مركزه كلاعب "رقم 10"، سيتناغم مع قوة الفريق الهجومية. "ما يحفزني هو اللعب، هو تسجيل الأهداف"، صرح زيدان، مما يشير إلى رغبته في تقديم كرة قدم ممتعة وهجومية. لقد ترك ديشان المنتخب في وضع قوي، مع معدل تهديفي مرتفع، وهو ما يمنح زيدان أساساً صلباً للانطلاق.
رهان على الخبرة.. وتفاؤل جماهيري
يأتي تعيين زيدان ليضع حداً لفترة غياب طويلة عن التدريب (خمس سنوات)، وهذا قد يعتبره البعض رهاناً. ومع ذلك، فإن سجله الحافل مع ريال مدريد يمنحه ثقة كبيرة. يدرك زيدان أن تدريب منتخب وطني يختلف عن تدريب الأندية، لكنه أكد: "هذا جديد بالنسبة لي، لكنني لست خائفاً. هذا ما أردته".
استقبل اللاعبون والجماهير خبر تعيين زيدان بحفاوة بالغة. وقد وثق زميله السابق في المنتخب، بيكسانت ليزارازو، قائلاً: "إنه أكثر من مناسب لقيادة "الديوك"، بالنظر إلى ما فعله في ريال مدريد مع لاعبين كبار وشخصيات قوية". قوة زيدان تكمن في احترامه الذي يتمتع به في غرف الملابس، وقدرته على منافسة لاعبيه بل وحتى تجاوزهم من حيث النجومية، وهو ما يجعله الشخص المثالي لقيادة فريق مليء بالمواهب الفردية.
نظرة على المستقبل: تحديات وفرص
تعتبر فترة التوقف الدولي الحالية، والتي تشمل أربع مباريات في دوري الأمم، فرصة ذهبية للاعبين للتعرف على أسلوب زيدان الجديد. سيبدأ زيدان مسيرته الرسمية بمواجهة تركيا، تليها مباراتان ضد بلجيكا ومباراة ضد إيطاليا. إن عودته إلى استاد فرنسا، حيث حقق المجد مع المنتخب كلاعب، تمثل بداية مثالية لحقبة جديدة.
بفضل مكانته الأسطورية في عالم كرة القدم الفرنسية والعالمية، سيحظى زيدان بدعم جماهيري غير مسبوق. يبقى السؤال: هل سيستخدم هذه الثقة لاستكشاف تكتيكات جديدة وتطوير وجوه شابة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.