بداية متعثرة ثم تحول إيجابي: اسكتلندا تبدأ حقبة بوكجنولي بتعادل مشجع
في أمسية كروية حملت معها الكثير من الترقب والآمال، استهل المنتخب الاسكتلندي حقبته الجديدة تحت قيادة المدرب الجديد سيباستيان بوكجنولي بمواجهة مضيفه السلوفيني. لم تكن البداية كما تمناها الكثيرون، فقد مرت الدقائق الأولى من المباراة وكأنها تعيد إلى الأذهان سنوات من الأداء المتذبذب، حيث بدا الفريق الاسكتلندي متفككًا، يفتقر إلى الانسجام والرابطة التي طالما حلم بها عشاق "التارتان آرمي".
الشوط الأول: أداء باهت وخالٍ من الإثارة
على مدار 45 دقيقة، بدا المنتخب الاسكتلندي تائهًا في الملعب، وكأنهم يحاولون استيعاب خطة المدرب الجديد التي ترتكز على الضغط الأمامي، الشدة العالية، سرعة التفكير، وتقديم أداء هجومي فعال. للأسف، لم يظهر أي من هذه العناصر بشكل واضح. كان الفريق يفتقر إلى الهجمات الخطيرة على المرمى، ولم يسدد أي كرة على الإطلاق في اتجاه مرمى الحارس السلوفيني يان أوبلاك. بلغت المعاناة ذروتها في الالتحامات الهوائية، حيث خسر اللاعبون الاسكتلنديون معظم الكرات العالية، مما اضطر المراقبين إلى التوقف عن عدها بعد مرور نصف ساعة فقط من اللعب. لم يلمس لاعبو اسكتلندا الكرة في منطقة جزاء سلوفينيا إلا بعد مرور 38 دقيقة، وهو مؤشر صارخ على غياب الفاعلية الهجومية.
لم يكن المنتخب السلوفيني خصمًا خارقًا، بل بدا هو الآخر عاجزًا عن فرض سيطرته أو تهديد مرمى اسكتلندا بشكل فعال. ورغم أن الضغط على الفريق الاسكتلندي لم يكن شديدًا، إلا أن الأداء العام كان يفتقر إلى الدقة والطاقة والحيوية. شعر كل من طالب بالصبر على الحقبة الجديدة بخيبة أمل، فالأداء لم يكن يرقى إلى مستوى الطموحات، وكأنهم يتذوقون طعم البيرة القديمة بدلًا من الشمبانيا المنتظرة.
الشوط الثاني: صحوة الأمل والتحول المنشود
لكن، وكما هي عادة كرة القدم، حدث التحول. مع بداية الشوط الثاني، بدأت اسكتلندا تظهر بوجه مختلف، وجه أكثر شراسة وحيوية. لم يكن التحول جذريًا لدرجة تحقيق الفوز، لكنه كان كافيًا لإيقاظ الفريق من سباته وإظهار إمكانياته الهجومية. تحولت اسكتلندا من فريق عاجز إلى قوة ضاربة، وقدمت أداءً في الشوط الثاني يمكن وصفه بأنه "انتصار بنتيجة 0-0". كان الأداء مخيبًا للآمال في نهايته لعدم ترجمة الفرص إلى أهداف، ولكنه في الوقت ذاته حمل بصيصًا من الأمل لما هو قادم.
نجوم المباراة وفرص ضائعة
كان من المؤلم للمهاجم أولي ماكبيرني أن ينهي المباراة دون تسجيل هدفه الدولي الأول، خاصة بعد تصريحاته السابقة بأنه لن ينام ليلًا بعد إهداره لانفراد تام بالحارس السلوفيني العملاق يان أوبلاك. لكن ماكبيرني قدم أداءً لافتًا في الشوط الثاني، حيث سدد عدة كرات على المرمى، وشكل خطورة حقيقية من خلال لعبه المترابط وحضوره القوي في منطقة العمليات.
لم يكن ماكبيرني الوحيد الذي أضاع فرصة، فقد سدد روبي أوري كرة ارتطمت بالقائم، وكان لدى كيرون بوي فرصة ذهبية كادت أن تغير مجرى المباراة، لكنه فشل في استغلالها. وعلى الرغم من أن المهاجمين الثلاثة لم يسجلوا، إلا أن أدائهم في هذا الشوط حمل دلائل مشجعة على أن الأيام القادمة قد تشهد تسجيل المزيد من الأهداف.
أرقام وإحصائيات: وجهان لعملة واحدة
هناك نظرتان للتعادل. الأولى إيجابية: شارك جميع لاعبي الخط الخلفي في التسديد على المرمى، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ يونيو 2022 أمام أرمينيا. كما سددت اسكتلندا 17 كرة على المرمى، وهو أعلى معدل لها في مباراة تنافسية منذ أكثر من 14 عامًا. أما النظرة الثانية فهي سلبية: فشل المنتخب في التسجيل في ثلاث مباريات متتالية في البطولات الرسمية، وهي أطول سلسلة منذ ما يقرب من 22 عامًا.
التغييرات التكتيكية: مفتاح الصحوة الاسكتلندية
أجرى المدرب بوكجنولي تعديلات تكتيكية ذكية في الشوط الثاني. قام بإنزال ماكبيرني قليلًا إلى الخلف، ليتحرك في المساحة خلف المهاجم، وكذلك فعل مع بوي عند دخوله. الأهم من ذلك، أنه أجرى تغييرًا في تمركز بيلي غيلمور في خط الوسط، حيث جعله يتراجع قليلًا ليحصل على مساحة أكبر للتحكم في إيقاع اللعب، وهو ما فعله ببراعة. ارتبط غيلمور باللعب المترابط ونجح في ربط خطوط الفريق بشكل فعال، وكان بمثابة المحرك الرئيسي لصحوة اسكتلندا.
وصف بوكجنولي المباراة بأنها "مباراتان في واحدة"، وكان محقًا في ذلك. التغييرات الطفيفة في تمركز ماكبيرني وغيلمور أعادت الحياة إلى الفريق وفتحت أمامه آفاقًا هجومية جديدة. كان الأداء في الشوط الثاني مبشرًا، مليئًا بالطموح والإصرار والإيمان بالقدرة على تحقيق نتائج إيجابية. ورغم عدم وجود "الكريمة فوق الكعكة" (الهدف)، إلا أن ما قدمه الفريق كان كافيًا لترك معظم المتابعين راضين عن اليوم الأول، ومتحمسين لمواجهة سويسرا يوم الثلاثاء القادم على ملعب هامبدن.
ماكبيرني والألم: فرصة العمر الضائعة
كانت فرصة أولي ماكبيرني في الدقيقة السادسة من الشوط الثاني فرصة العمر، تلك التي يحلم بها أي مهاجم. صنعها لنفسه بفوزه بالكرة وتقدمه نحو مرمى أوبلاك المنفرد. كان بإمكانه وضع الكرة بلطف فوق الحارس، أو سحبها إلى يساره، أو حتى المرور من بين قدميه. لكنه اختار المخاطرة، محاولًا تجاوز الحارس العملاق، ليعلن عن عودته للتشكيلة الدولية بعد غياب طويل دام 2005 أيام، مسجلًا ظهوره الـ 17 دون هدف.
نجح أوبلاك في حرمان ماكبيرني من هدفه، وكان ذلك مؤلمًا بالتأكيد. لكن هذه الفرصة الضائعة كانت مجرد مقدمة لأداء قوي قدمه المهاجم وزملاؤه في الشوط الثاني. لعب ماكبيرني كرة مزدوجة رائعة مع غيلمور المتألق، الذي سدد كرة قوية تصدى لها أوبلاك ببراعة. كان أوبلاك، بلا شك، أفضل لاعب في صفوف سلوفينيا.
أتبع ماكبيرني ذلك بضربة رأس علت العارضة، وسدد آرون هيكي كرة رأسية أخرى ذهبت بعيدة عن القائم. وعندما دخل بوي، أحدث تأثيرًا فوريًا، حيث سنحت له ثلاث فرص في ثماني دقائق: تسديدة ضعيفة، محاولة أخرى ذكية، ثم الفرصة الكبرى التي تلقاها من غيلمور لكنه سددها خارج المرمى. انضم بوي بذلك إلى ماكبيرني وأوري (الذي ارتطمت كرته بالقائم) في دائرة المعاناة من إضاعة الفرص.
في خضم هذه الفرص الضائعة، سدد ماكبيرني رأسية قوية نحو المرمى، لكن أوبلاك كان لها بالمرصاد. كانت هذه هي المحاولة التاسعة المتتالية لاسكتلندا دون رد. سيطر الفريق على مجريات اللعب تمامًا، لكن دون ترجمة هذا التفوق إلى أهداف. الكثير من الأمور المشجعة، ولكن نقطة واحدة فقط في رصيد الفريق، وكان ينبغي أن تكون ثلاث نقاط.
بوكجنولي: مدرب يتفاعل ويتعلم
أعرب بوكجنولي عن سعادته بالأداء في الشوط الثاني، وينبغي على جماهير اسكتلندا أن تشعر بالتفاؤل لرؤية مدربهم الجديد يدرك المشاكل التي يعاني منها فريقه ويعمل على حلها. نظرًا لقصر سجله التدريبي، كان موضوع قدراته التكتيكية موضع اهتمام كبير. إدارته للشوط الثاني أظهرت أنه ليس مجرد مدرب عادي، بل قادر على تشخيص المشاكل وإجراء التعديلات اللازمة.
كان الاعتماد على ماكبيرني وأوري في الهجوم مفاجأة، لكنها حملت رسالة واضحة بأن اسكتلندا تسعى إلى اللعب الهجومي بدلًا من الاكتفاء بالدفاع. لم تظهر هذه الاستراتيجية في الشوط الأول، لكنها نجحت بشكل كبير في الشوط الثاني. من الغريب أنه في نهاية مباراة أخرى فشلت فيها اسكتلندا في التسجيل، هناك الكثير من الأسباب التي تدعو للتفاؤل بشأن اللاعبين المكلفين بتسجيل الأهداف.
مستقبل الهجوم الاسكتلندي
يشكل ماكبيرني وأوري وبوي ثلاثيًا مثيرًا. وعند عودة اللاعبين المصابين، سيكون هناك خيارات إضافية مثل تشي آدامز، لورانس شاكلاند، تومي كونواي، وروس ستيوارت. كما أن اللاعب الشاب جيمس ويلسون سيحصل على فرصته في وقت لاحق. انضمام الدماء الجديدة إلى الخبرات القديمة يبشر بمستقبل أفضل عندما تستقر الأمور.
تحدي سويسرا: الاختبار الحقيقي
يبقى التحدي الأكبر أمام بوكجنولي هو المباراة القادمة ضد سويسرا، المصنفة 14 عالميًا. صحيح أن المنتخب السويسري يفتقد لبعض لاعبيه الأساسيين، لكنه بقيادة المدرب مورات ياكين، يقدم أداءً منظمًا وقويًا. يمثل المنتخب السويسري قوة متكاملة تتجاوز مجموع قدرات لاعبيه الفردية. ستكون هذه المباراة اختبارًا حقيقيًا لمدى براعة بوكجنولي وقدرته على قيادة الفريق لتحقيق نتائج إيجابية.
إذا حققت اسكتلندا الفوز في مباراة الثلاثاء، فسيكون ذلك بمثابة انطلاقة قوية وعلامة على بداية حقبة ناجحة.
تصريحات اللاعبين والمدرب
قال ماكبيرني: "لن أتمكن من النوم وأنا أفكر في تلك الفرص الضائعة".
وقال هاليدي عن مشاركته في المباراة: "الشوط الثاني كان سيطرة كاملة"، مشيرًا إلى تحسن أداء الفريق تحت قيادة بوكجنولي.