مانشستر سيتي يكسر الأرقام القياسية بصفقات الوسط.. ولكن هل نسي المهاجم؟
في خطوة غير مسبوقة تعكس طموحاته الجامحة نحو الهيمنة المطلقة، أعلن نادي مانشستر سيتي الإنجليزي عن إنفاق قياسي بلغ 458 مليون جنيه إسترليني خلال نافذة الانتقالات الصيفية، محطمًا بذلك الرقم القياسي لأكبر إنفاق في موسم واحد بالدوري الممتاز. هذه الأرقام الفلكية ليست مجرد أرقام، بل هي استثمار ضخم يعكس رؤية واضحة للمدرب الجديد إنزو ماريسكا، الذي يحظى بدعم لا محدود من إدارة النادي، ممثلة بمدير الكرة هوجو فيانا. لم تكن هذه التحركات مجرد صفقات عادية، بل كانت عملية إعادة هيكلة شاملة لقلب الفريق، تحديدا خط الوسط، الذي شهد تغييرًا جذريًا لم يسبق له مثيل.
الوسط الجديد: تريو بـ 327 مليون جنيه إسترليني
شكل ثلاثي التعاقدات الجديدة في خط الوسط، إيليوت أندرسون، إنزو فيرنانديز، وأيوب بوعدي، العمود الفقري لهذا الإنفاق التاريخي، حيث بلغت تكلفة ضمهم مجتمعة 327 مليون جنيه إسترليني. كان إنزو فيرنانديز، قائد ماريسكا السابق في تشيلسي، هو الصفقة الأبرز والأغلى، حيث كسر النادي حاجز الـ 125 مليون جنيه إسترليني لضمه، في صفقة تعتبر الأغلى لأي لاعب بريطاني. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استثمر السيتي 116 مليون جنيه إسترليني أخرى للظفر بخدمات إيليوت أندرسون من نوتنغهام فورست. أما المفاجأة الكبرى، فكانت التعاقد مع النجم المغربي الشاب أيوب بوعدي، البالغ من العمر 18 عامًا، مقابل 86 مليون جنيه إسترليني، مما يجعله أحد أغلى المواهب الشابة في تاريخ كرة القدم.
تحول جذري في خط الوسط
هذه الاستثمارات الضخمة تأتي في أعقاب رحيل عدد من اللاعبين المخضرمين الذين شكلوا عصب خط وسط الفريق لسنوات، يتقدمهم القائد برناردو سيلفا، نجم خط الوسط رودري الذي توج بالكرة الذهبية مؤخرًا، بالإضافة إلى تيجاني ريندييرس ونيكو غونزاليس. هذا الرحيل الجماعي منح ماريسكا الفرصة لإعادة تشكيل خط الوسط بالكامل، ليصبح مزيجًا من الخبرة والشباب الواعد، مع وجود لاعبين اثنين على الأقل في كل مركز، مما يمنح المدرب الإيطالي رفاهية الاختيار ويجعل الفريق يبدو أقوى من الموسم الماضي.
استراتيجية الانتقالات: شراء وبيع بذكاء
يُظهر مانشستر سيتي، تحت قيادة ماريسكا، براعة استثنائية في استراتيجية الانتقالات، فهم لا يكتفون بالإنفاق الضخم، بل يتفوقون أيضًا في بيع اللاعبين الذين لم يعودوا جزءًا أساسيًا من خطط الفريق. فقد نجح النادي في استعادة 334 مليون جنيه إسترليني من بيع لاعبين مثل سافينيو (75 مليون جنيه إسترليني)، ورودي (65 مليون جنيه إسترليني)، وريندييرس (52 مليون جنيه إسترليني). هذه السياسة تمنح النادي صافي إنفاق يبلغ 208 مليون جنيه إسترليني في عام 2026، وهو رقم من المتوقع أن يتعزز أكثر مع انتقال عمر مرموش إلى توتنهام مقابل 60 مليون جنيه إسترليني. يعتمد النادي على سياسة "لاعب يخرج، ولاعب يدخل"، وقد نجح ماريسكا في تعويض معظم اللاعبين الذين غادروا، باستثناء نيكو غونزاليس وعمر مرموش.
تكتيكات ماريسكا: مرونة خط الوسط
يتميز ماريسكا بقدرته على التكيف التكتيكي، وقد أظهر استخدامه لتشكيلات متنوعة في خط الوسط. فبين شكل "الصندوق" و"الماسة"، يسعى المدرب الإيطالي إلى تحقيق أقصى استفادة من اللاعبين المتوفرين لديه. في مباراة بورنموث، شكل أندرسون وغيغي ثنائيا في عمق الملعب، بينما انضم إليهما أوريلي، لاعب الوسط المهاجم، والظهير الأيمن ريكو لويس، ليشكلوا "صندوقًا" في الوسط. أما في مواجهة كريستال بالاس، فقد لعب جوارديول وأوريلي بجانب تشيركي كخط وسط مكون من ثلاثة لاعبين خلف المهاجم، في تشكيل أقرب إلى "الماسة".
يُعد أندرسون، الذي يلعب دورًا ثابتًا في عمق الملعب، بمثابة وريث محتمل لرودري. بينما يُنظر إلى بوعدي، رغم صغر سنه، على أنه بديل لأندرسون، وهو ما ظهر جليًا في مشاركته أمام كريستال بالاس. تكمن المرونة في خط الوسط في قدرة اللاعبين على التناوب بين الأدوار الدفاعية والهجومية، حيث يتبادل بوعدي وكوفاسيتش المراكز في بناء اللعب، مما يضمن استمرارية الشكل التكتيكي للفريق.
يتمتع إنزو فيرنانديز بقدرة فائقة على اللعب في مركز لاعب الارتكاز أو لاعب الوسط المهاجم، بينما يتنافس فودين وتشيركي على مركز صانع الألعاب (رقم 10). ومع وجود إصابات في صفوف الفريق، فقد شغل فودين مركز الجناح الأيمن، لكن ماريسكا يؤمن بقدراته كلاعب وسط بوكس-تو-بوكس، مما يفتح الباب أمام إمكانية مشاركة فودين وتشيركي معًا في مركز الوسط.
تحدي خلافة هالاند: هل ترك مانشستر سيتي ثغرة؟
على الرغم من الصفقات الهائلة والتحولات الجذرية في خط الوسط، يظل هناك سؤال يطرح نفسه بقوة: ماذا عن مركز المهاجم الصريح؟ يجد مانشستر سيتي نفسه حاليًا معتمدًا بشكل كلي على إرلينج هالاند، هداف الفريق ونجمه الأول. سجل هالاند 27 هدفًا في الموسم الماضي، وبدأ الموسم الحالي بتسجيل هدفين في أول مباراتين. لكن ماذا لو غاب هالاند عن الفريق لسبب ما؟
رحل عمر مرموش بحثًا عن المشاركة الأساسية، وانتقل ديفين موباما، الذي قدم أداءً جيدًا في فترة ما قبل الموسم، إلى ساوثهامبتون على سبيل الإعارة. يعتقد النادي أن لديه مرونة كافية لاستيعاب هذه المغادرات دون الحاجة لضم مهاجم صريح آخر. يرى النادي أن أنطواني سيمينيو، الذي يلعب غالبًا في مركز الجناح الأيمن، يمكن أن يلعب دورًا في مركز المهاجم رقم 9، كما فعل في بعض مباريات الكأس الموسم الماضي. كذلك، يضيف المهاجم الجديد دياي ندياي، الذي انضم في اليوم الأخير من فترة الانتقالات مقابل 60 مليون جنيه إسترليني، تنوعًا وخبرة في الخط الأمامي.
ومع ذلك، يبقى التساؤل حول قدرة هؤلاء اللاعبين على تعويض غياب هالاند. فبينما سجل سيمينيو فقط 10 أهداف أو أكثر في الدوري الإنجليزي خلال الموسمين الماضيين، لم يصل تشيركي، جيريمي دوكورو، أو ندياي إلى هذا الرقم. وعلى الرغم من أن فودين قادر على التسجيل (19 هدفًا في موسم 2023-2024)، إلا أنه عانى من عدم ثبات المستوى في الموسمين الماضيين. يبقى هذا تحديًا كبيرًا أمام مانشستر سيتي، وقد يتطلب من بعض اللاعبين تقديم مستويات استثنائية لملء الفراغ في حال غياب هالاند.