الرئيسية اليوم أمس غداً 📡 القنوات الناقلة 📰 الأخبار
📰 تقارير حصرية

قصف إعلاني بالمونديال: كرة القدم وقود لصناعة الوجبات

👁️ المشاهدات: 19 ✍️ الكاتب: كورا جو
قصف إعلاني بالمونديال: كرة القدم وقود لصناعة الوجبات

شهدت بطولة كأس العالم الأخيرة، التي استضافتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ظاهرة لافتة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الصحية والرياضية على حد سواء. فقد كشفت دراسة حديثة عن تعرض مشجعي كرة القدم "لقصف إعلاني مستمر" للمشروبات والوجبات السريعة خلال المباريات، في مشهد يثير تساؤلات جدية حول دور الرياضة الأكبر في العالم في الترويج لمنتجات قد تكون ضارة بالصحة العامة.

دراسة جامعة بريستول وأكسفورد: الأرقام تتحدث

أجرى باحثون من جامعتي بريستول وأكسفورد دراسة معمقة استخدمت أداة ذكاء اصطناعي لتحليل الإعلانات التي كانت مرئية لمشاهدي التلفزيون خلال البث المباشر للمباريات. شمل التحليل 104 مباريات من البطولة، وتركز بشكل أساسي على اللوحات الإعلانية المحيطة بالملعب وداخل الملاعب نفسها. جاءت النتائج صادمة: فقد تم عرض شعارات ومنتجات للعلامات التجارية المنتجة للأطعمة والمشروبات "غير الصحية"، والتي تُعرفها الحكومة البريطانية بأنها غنية بالدهون أو الملح أو السكر، ما مجموعه 65,722 مرة.

لم تتوقف الأرقام عند هذا الحد، بل أظهرت الدراسة أن هذه الإعلانات كانت مرئية لمدة 28.1 ساعة إجمالاً خلال البطولة بأكملها، وهو ما يمثل أكثر من 16% من إجمالي وقت لعب المباريات. هذه الإعلانات، التي كانت تظهر على البث الدولي للمباريات، كانت متاحة لكل مشاهد في كل بلد يبث المباريات، ولا تشمل الإعلانات التي تظهر قبل المباراة، أو خلال فترات الاستراحة بين الشوطين، أو فترات التوقف المثيرة للجدل للترطيب.

أبرز العلامات التجارية المستفيدة

كشفت الدراسة أن متوسط عدد الإعلانات المرئية للوجبات والمشروبات غير الصحية خلال كل مباراة بلغ 576 إعلاناً. وتصدرت شركة كوكا كولا القائمة بأكبر عدد من مرات الظهور (21,893 مرة)، تليها ماكدونالدز (13,915 مرة)، وباوريد (12,777 مرة)، ولايز (12,087 مرة)، وهي الشركة المصنعة للرقائق المعروفة باسم "وولكرز" في المملكة المتحدة. جميع هذه العلامات التجارية الأربع هي شركاء رسميون للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وتعود ملكية مشروب الطاقة باوريد لشركة كوكا كولا.

رد الفيفا: بين التبرير والمسؤولية

في ردها على هذه النتائج، أكدت الفيفا أن الغالبية العظمى من إيراداتها تُعاد استثمارها في كرة القدم، بما في ذلك المشاريع التي تهدف إلى تعزيز الصحة والرفاهية، والتي يشارك فيها آلاف الأشخاص. وصرح متحدث باسم الفيفا: "تعمل الفيفا مع مجموعة واسعة من الشركاء العالميين، وجميعهم يخضعون لأطر الحوكمة والامتثال الخاصة بها. حملات الفيفا للتأثير الاجتماعي، بما في ذلك حملة 'كن نشيطاً'، قدمت رسائل الوحدة، والاندماج، والصحة، والصداقة للجماهير على نطاق غير مسبوق طوال كأس العالم."

لكن هذا التبرير لم يلق قبولاً واسعاً، خاصة وأن الدراسة أوضحت أن الإعلانات للمنتجات غير الصحية كانت أكثر انتشاراً بكثير من غيرها. فقد سُجلت شعارات الأطعمة والمشروبات غير الصحية سبع مرات أكثر من تلك الخاصة بالكحول وعلامات سوق التنبؤات، وعشر مرات أكثر من شركات القمار، وما يقرب من 25 مرة أكثر من العملات المشفرة. هذا التفاوت يثير تساؤلات حول الأولويات الحقيقية للفيفا والشركات الراعية.

تداعيات خطيرة على الصحة العامة

يحذر الباحثون من أن "الربط المتكرر بين العلامات التجارية للأطعمة والمشروبات غير الصحية بكرة القدم، والإثارة، والهوية الوطنية يمكن أن يجعل هذه العلامات التجارية مألوفة ويُطبع استهلاكها". هذا الربط العاطفي القوي مع اللعبة الأكثر شعبية في العالم يمكن أن يؤثر بشكل كبير على سلوكيات المستهلكين، خصوصاً الأطفال والمراهقين، الذين يمثلون الشريحة الأكبر من مشجعي كرة القدم.

في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تم تطبيق حظر على إعلانات الوجبات السريعة على التلفزيون قبل الساعة التاسعة مساءً منذ أكتوبر 2025. لكن لأن الإعلانات المعروضة خلال مباريات كأس العالم تظهر على اللوحات الإعلانية في حدث دولي، فإنها تقع خارج نطاق هذا التشريع. هذا يعني أن المشاهدين يرون إعلانات للبرغر، ورقائق البطاطس، والمشروبات الغازية خلال الساعات التي يُفترض فيها حظرها، مما يزيد من الدعوات لتبني نهج عالمي موحد.

فجوة قانونية وأزمة عالمية

يصف جريج فيل، رئيس جمعية مديري الصحة العامة، الوضع بأنه "فجوة قانونية بالتأكيد". ويضيف: "هناك الكثير من الأدلة التي تظهر أن الحكومات في جميع أنحاء العالم تسن تشريعات صارمة للغاية في الوقت الحالي للحد من إعلانات الوجبات السريعة. يتطلب الأمر تعاوناً عالمياً لأن السمنة مشكلة في كل مكان. الإعلان هو أحد الآليات الرئيسية التي يتسبب بها ضرر السمنة."

يشبه فيل أزمة السمنة بـ"التبغ الجديد"، مشيراً إلى أن طرق عمل صناعة التبغ قبل حظر إعلاناتها لا تختلف كثيراً. ويؤكد أن الكثير من هذه الإعلانات تستهدف الأطفال، لأن الشركات ترغب في تنمية أسواقها، والأطفال هم سوق المستقبل. هذه حقيقة مقلقة، خاصة مع الأرقام الصادرة عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) في المملكة المتحدة لعام 2024، والتي تشير إلى أن 15% من الأطفال في المملكة المتحدة يعانون من السمنة، و26% منهم يعانون من زيادة الوزن.

الرياضة جزء من الحل لا المشكلة

تلخص الدكتورة إليسا بيكر، إحدى المؤلفين المشاركين في التقرير، الوضع قائلة: "نواجه أزمة عالمية في سمنة الأطفال والأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي، ومع ذلك فإن أكبر حدث رياضي في العالم مشبع بالتسويق للأطعمة والمشروبات غير الصحية." وتشدد على أن "الرياضة يجب أن تكون جزءاً من الحل لمشكلة الصحة السيئة، لا واحدة من أقوى منصات الإعلان في العالم للمنتجات التي تدفع بها."

إن هذا التقرير يدق ناقوس الخطر، ويدعو الفيفا والجهات الراعية إلى إعادة النظر في استراتيجيات التسويق الخاصة بها. فبينما تسعى كرة القدم إلى تحقيق الأرباح وتوسيع نطاقها، يجب ألا يكون ذلك على حساب صحة الأجيال القادمة. إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، من الهيئات الرياضية الدولية إلى الحكومات والشركات، لضمان أن تبقى الرياضة مصدر إلهام للصحة والنشاط، بدلاً من أن تصبح أداة للترويج لعادات غذائية ضارة.