كوينز بارك: العناكب تتشبث بالقمة وتستضيف آير يونايتد في الدوري الاسكتلندي
في عالم كرة القدم الاسكتلندية، حيث تتلاطم أمواج التحديات المالية وتتبدل الولاءات، يبرز نادي كوينز بارك، أقدم أندية اسكتلندا، كنموذج للصمود والعزيمة. فبعد أن كانت التكهنات تشير إلى تراجع وشيك عقب انتهاء الاتفاق المالي مع اللورد ويليام هاغي العام الماضي، أثبتت “العناكب” قدرتها على البقاء والتألق، بل ومواصلة الزحف نحو القمة في دوري البطولة الاسكتلندي.
لم تكن نهاية العلاقة المالية مع اللورد هاغي بمثابة الضربة القاضية التي توقعها البعض، بل كانت نقطة تحول أظهرت صلابة النادي وتأصله. فالفريق، تحت قيادة المدرب شون كرايتون، تحدى كل التوقعات الموسم الماضي، واقترب بشدة من مراكز التصفيات المؤهلة للصعود، ليحتل المركز السادس المشرف. هذا الأداء المذهل لم يكن محض صدفة، بل جاء نتاج لالتزام فلسفي طويل الأمد بتطوير المواهب الشابة، وهو ما يمثل جوهر تاريخ كوينز بارك العريق.
فلسفة النادي والتأثير المستمر للورد هاغي
صحيح أن أكاديمية كوينز بارك التقليدية قد توقفت، إلا أن فرق الشباب تحت 17 وتحت 19 عامًا تشهد ازدهارًا ملحوظًا، حيث توج كلاهما بلقب دوريهما الموسم الماضي. وهذا يعكس التزام النادي المستمر برعاية الجيل القادم من النجوم الاسكتلنديين. الأهم من ذلك، أن حضور رجل الأعمال هاغي ما زال محسوسًا في الكواليس، حيث تواصل مؤسسته الخيرية “سيتي تشاريتي تراست” دعمها لتحويل مركز تدريب النادي المثير للإعجاب في لوتشينتش، بقلب حديقة بولوك في غلاسكو، إلى منشأة عالمية.
وفي هذا الصدد، يؤكد المدرب كرايتون: “لدينا هنا مركز تدريب رائع. وبالتأكيد، في ملعب ليسر هامبدن، الملعب لا يصدق. لدينا المرافق، ونحن بحاجة لأن نكون فريقًا جيدًا في دوري البطولة”. هذه التصريحات لا تعكس مجرد تفاؤل، بل رؤية واضحة لمستقبل النادي الذي يرى في استثماراته بالبنية التحتية والشباب مفتاح النجاح المستدام.
تطوير المواهب: إرث كوينز بارك الخالد
يعد كوينز بارك رائدًا في تبني رؤية الاتحاد الاسكتلندي لكرة القدم الجديدة لتطوير المواهب الشابة، بقيادة كريغ مولهولاند، مع التركيز على التوازن المالي. لطالما كان النادي بمثابة منصة انطلاق للعديد من النجوم الاسكتلنديين، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، قائد منتخب اسكتلندا ونجم ليفربول أندي روبرتسون، وقائد رينجرز الحالي لورانس شانكلاند، اللذان خطيا خطواتهما الأولى في كرة القدم الاحترافية من خلال كوينز بارك.
ويحرص كرايتون على مواصلة وتطوير هذا التقليد العريق. ويشير إلى بعض الأمثلة الحديثة قائلاً: “جوش فاولر انتقل إلى سانت جونستون ويقدم أداءً جيدًا في الدوري الممتاز. سيب دروزد انتقل إلى بارتيك ثيسل وهو يتألق هناك. هنري فيلدسون ذهب إلى سانت ميرين”. هذه الانتقالات الناجحة لا تؤكد فقط جودة المواهب التي ينتجها النادي، بل تعزز أيضًا سمعته كحضن للمواهب الصاعدة.
نجوم المستقبل: آمال الفريق الحالية
هذا الموسم، يمتلك كوينز بارك كوكبة من النجوم الشباب الواعدين. يتحدث كرايتون بحماس عن هؤلاء اللاعبين: “لدينا منهم الكثير [هذا الموسم]. الشاب روس ماكلين انضم إلى الفريق العام الماضي بضع مرات وتطور بشكل جيد هذا العام. إنه حلم أي مدرب، فهو متعدد المراكز، يمكنه اللعب في الوسط، على الأجنحة، أو في الدفاع”.
ويضيف: “تايريس ماكدونيل كذلك. أعتقد أنه شارك في 26 مباراة الموسم الماضي”. هذه الأسماء الشابة ليست مجرد أرقام في قوائم النادي، بل هي ركائز أساسية لاستراتيجية الفريق طويلة الأمد. ويعلق المدرب: “نحن بحاجة لأن نكون ذلك النادي لأن هذا هو تاريخ كوينز بارك. اللاعبون الموجودون في المنتخب الوطني، بدأوا مسيرتهم في كوينز بارك”.
ويختتم كرايتون: “عندما توليت المهمة، كان هذا هو الهدف منذ البداية. كان الأمر يتعلق: ‘هل يمكنك مساعدة اللاعبين على التقدم؟’ ليس أنا فقط، بل كل من في المبنى. هذا ما نريد أن نحاول فعله. أشعر بالفخر لأننا تمكنا من ضم هؤلاء اللاعبين للعب معنا ثم ينتقلوا”.
نظرة المخضرم: سكوت مارتن يثني على الشباب
على أرض الملعب، يبدو لاعب الوسط المركزي سكوت مارتن، المخضرم نسبيًا البالغ من العمر 29 عامًا، معجبًا أيضًا بمستوى المواهب الاسكتلندية الشابة التي يراها حوله. يذكر مارتن تحديدًا: “الشاب أيدن ماكاليون [معار من رينجرز]، هو لاعب وسط مركزي أيضًا. كان رائعًا منذ أن جاء، ينجز عمله، دقيق جدًا بالكرة. وكذلك لويس ستيوارت [معار أيضًا من رينجرز]، إنه سريع كالبرق”.
ويضيف مارتن تحليلاً عميقًا للفارق بين اللعب في الأكاديميات ودوري البطولة: “في رينجرز، لا بد أنهم معتادون على الاستحواذ على الكرة ولديهم وقت. لكن هنا في دوري البطولة، إنها لعبة مختلفة تمامًا. إنها مفتوحة من طرف إلى طرف، وبكثافة عالية”.
ويعتقد مارتن أن هذه التجربة ستكون ذات قيمة لا تقدر بثمن لهؤلاء اللاعبين الشباب: “ستكون تجربة رائعة لهم لأنهم يتعلمون جانبًا مختلفًا تمامًا من اللعبة ربما لن تتعلمه في فريق الرديف أو تحت 19 أو 20 عامًا، أيا كان. الطريقة التي تأقلموا بها كانت ممتازة للغاية”.
تحديات الموسم الحالي والتفاؤل بالمستقبل
بعد حملة جيدة في مرحلة مجموعات كأس الرابطة، كان بداية موسم دوري البطولة أكثر صعوبة على كوينز بارك. يجد الفريق نفسه حاليًا في المركز الثاني من القاع، مما يضع بعض الضغط على كاهله.
ومع ذلك، فإن مارتن ليس لديه أدنى شك في أن الفريق يمتلك ما يلزم للبقاء في دوري البطولة هذا الموسم مرة أخرى، خاصة وهم يستعدون لاستضافة فريق آير يونايتد الذي يتقدم عليهم بمركز ونقطة واحدة. ويؤكد مارتن قبل مباراة الجمعة التي ستبثها بي بي سي اسكتلندا: “يمكن لأي فريق أن يهزم أي فريق آخر”.
ويضيف: “لقد خضنا العديد من المباريات الصعبة، لكنني أعتقد أن مباراة بارتيك ثيسل [التعادل 0-0] كانت نقطة تحول بالنسبة لنا، بمعنى أننا وجدنا هذا الإيمان بأننا يمكن أن نذهب إلى، في رأيي، أصعب مكان في دوري البطولة ونحقق نقطة”. هذا التعادل الثمين منح الفريق دفعة معنوية كبيرة وأكد قدرته على مقارعة الكبار.
وفي ختام حديثه، يلخص مارتن وضع الفريق قائلاً: “فيما يتعلق بوضعنا هذا الموسم، أعتقد أننا بخير. كانت هناك أجزاء من المباريات لعبنا فيها بشكل جيد للغاية. الأمر يتعلق فقط بمحاولة تجميع ذلك كله وأن نكون أكثر اتساقًا. لدينا تشكيلة شابة في بعض الأحيان أيضًا، لذا قد يكون الأمر صعبًا بعض الشيء، لكننا لسنا بعيدين عن أن نصبح فريقًا جيدًا مرة أخرى”.
يواجه كوينز بارك تحديًا جديدًا ضد آير يونايتد، وهي مباراة حاسمة قد تحدد مسار الفريق في الدوري. ومع كل الصعوبات التي واجهها، يظل نادي العناكب رمزًا للصمود والتفاني في كرة القدم الاسكتلندية، متمسكًا بتاريخه العريق وطموحه في بناء مستقبل مشرق من خلال المواهب الشابة التي يواصل رعايتها وتقديمها للعالم.