جوش مكبايك: رحلة ملحمية من التيه إلى المجد الكروي مع منتخب اسكتلندا
في عالم كرة القدم الحديث، حيث تتسارع الإيقاعات وتشتد المنافسة، قلما نجد قصصاً تلامس الروح بقدر ما تلامسها حكاية النجم الاسكتلندي الصاعد، جوش مكبايك. فمن لاعب بلا نادٍ قبل ثلاث سنوات، إلى بطل جماهير هارتس، وصولاً إلى استدعائه الأول للمنتخب الاسكتلندي للمشاركة في مباريات دوري الأمم الأوروبية؛ ينسج مكبايك فصولاً من الإصرار والعزيمة تستحق أن تُروى. هذه الرحلة، التي كانت "ملونة" ومليئة بالتقلبات، كما وصفها البعض، أو "فوضوية" في أحيان أخرى، هي شهادة حية على أن المثابرة وحدها مفتاح النجاح.
الاستدعاء المفاجئ والمستحق من قبل المدرب سيباستيان بوكونولي لقائمة اسكتلندا، يعد تتويجاً لمسيرة حافلة بالدروس لهذا الجناح البالغ من العمر 25 عاماً. لقد حجز مكبايك مكانه في قلوب جماهير "جولياس هارتس" بأدائه المذهل الذي يدفعهم للغناء على أنغام أغنية "الرقص ملكة" لفريق آبا، مرددين: "إنه يعيش أفضل أوقات حياته". فكيف وصل مكبايك إلى هذه النقطة المضيئة بعد أن كان على وشك التلاشي من الأضواء؟
بداية واعدة ونهاية مبكرة في إيبروكس
تبدأ قصة مكبايك كغيرها من قصص العديد من المواهب الاسكتلندية الشابة، داخل أسوار أكاديمية نادي رينجرز العريق. هناك، تدرج عبر الفئات السنية المختلفة، وبرزت موهبته الفطرية بشكل لافت، ليتم تتويجه بلقب أفضل لاعب في الأكاديمية عام 2019. كان يُنظر إليه كواحد من أبرز خريجي إيبروكس المرتقبين، ومرشحاً بقوة للانضمام إلى الفريق الأول.
بعد أشهر قليلة من هذا التكريم، حانت اللحظة المنتظرة. حصل مكبايك على فرصة الظهور الوحيدة له مع فريق المدرب الأسطوري ستيفن جيرارد، حين نزل بديلاً في مباراة رينجرز الساحقة ضد سانت جوزيف من جبل طارق في التصفيات المؤهلة للدوري الأوروبي. لكن هذا الظهور، للأسف، لم يكن مؤشراً على مستقبل واعد مع النادي الأم. فبعد شهر واحد فقط، بدأ مكبايك رحلة الإعارات التي لم تتوقف، لتشمل ستة أندية مختلفة بحثاً عن الاستقرار وفرص اللعب.
رحلة التجوال الكروي المريرة
أعير مكبايك إلى أندية مثل دندي، جرينوك مورتون، هاروغيت تاون، موركامب، ترانمير روفرز، وكوينز بارك. ورغم أنه أظهر لمحات من تألقه في بعض تلك المحطات، إلا أنه لم يتمكن من حجز مكان دائم أو إقناع أي نادٍ بتحويل إعارته إلى عقد دائم. أصبح مكبايك، كما وصفه البعض، "رحالة كروياً" ينتقل من نادٍ إلى آخر دون أن يجد له بيتاً كروياً مستقراً.
حتى في تلك الفترة المتقلبة، لم تغب موهبته تماماً. فبينما كان يلعب مع دندي، سجل مكبايك هدف الفوز لمنتخب اسكتلندا تحت 19 عاماً ضد ألمانيا في إنجاز لافت. لكن حتى هذا التألق على المستوى الدولي لم يوقف عجلة الإعارات التي كانت تلقي به من عمود لآخر في مشهد تراجيدي لغياب الاستقرار.
من القاع: لاعب بلا نادٍ إلى نهضة في دوري الدرجة الأولى
في الأول من سبتمبر 2023، انتهت رحلة مكبايك رسمياً مع رينجرز، ليجد نفسه بلا نادٍ. كانت فترة صعبة للغاية؛ تدرب مع العديد من الأندية، واجه خلالها "صدمات وانتكاسات"، لكنه لم يجد له عقداً لمدة ستة أشهر تقريباً. لقد كانت هذه الفترة هي الحضيض بالنسبة لمسيرته الكروية، حيث بات مصيره على المحك.
غير أن الإصرار كان رفيقه. في النهاية، وقع مكبايك عقداً قصير الأمد مع نادي ستيرلنغ ألبيون، الذي كان يلعب في دوري الدرجة الأولى الاسكتلندي (المستوى الثالث). كان النزول إلى هذا المستوى بمثابة "صفعة للواقع"، لكن مكبايك لم يسمح لغروره بالوقوف في طريقه، كما يتذكر مدربه في ستيرلنغ آنذاك، دارين يونغ.
قال يونغ، لاعب أبردين السابق، لهيئة الإذاعة البريطانية في اسكتلندا: "لقد حضر إلى التدريب وكان رائعاً - لم يكن بإمكانه فعل المزيد. لقد عمل بجدية بالغة. كان يساعد في جمع الكرات بعد التدريب، وكان دائماً يقوم بتمارين إضافية على التسديد والإنهاء. كنت أمزح معه مرة أو مرتين قائلاً: إذا لم تستجمع قواك، فستعود إلى هنا كلاعب بدوام جزئي، لكنه كان من النوع الذي يمكنك أن ترى قدراته، كان يتفوق على اللاعبين الآخرين بفارق كبير."
سجل مكبايك هدفاً في أول ظهور له مع ستيرلنغ ألبيون، وهو ما لم يكن مفاجئاً ليونغ الذي كان يتساءل "لماذا لم يتم التعاقد معه" من قبل. لقد أظهر مكبايك في ستيرلنغ التزاماً مذهلاً، حيث كان عليه أن يطور جوانب في لعبه لم تكن الأقوى لديه، مثل العودة للدفاع ومساعدة الفريق. لقد أدرك أن عليه إضافة هذا البعد إلى أدائه ليتمكن من التقدم، وهذا ما فعله.
محطة سانت جونستون: صراع جديد وانتصار على الذات
المكافأة على هذا العمل الجاد والنزول إلى مستويات أدنى تمثلت في عودة مكبايك إلى دوري الأضواء مع نادي سانت جونستون، رغم هبوط ستيرلنغ ألبيون. تم الاتفاق على عقد لمدة عامين، لكنه واجه صعوبات مجدداً في فرض نفسه على تشكيلة المدرب كرايغ ليفين، واستمرت معاناته عندما تولى سيمو فالاكاري المسؤولية في أكتوبر 2024.
وصلت عزيمته إلى أقصى حدودها مرة أخرى. كشف المدرب الفنلندي فالاكاري العام الماضي أن مكبايك كان متاحاً في فترة الانتقالات الشتوية بينما كان سانت جونستون يقاتل للبقاء في الدوري الممتاز، لكنهم "لم يتمكنوا من إيجاد أي نادٍ له".
قال فالاكاري: "لقد أتحنا جوش في يناير وعرضناه على العديد من الأندية لأنه كان بحاجة إلى اللعب. الحقيقة هي أن لا أحد أراده. لم نتمكن من إيجاد أي نادٍ له. وبالنسبة لي، كانت تلك صحوة لجوش. في ذلك الوقت قرر أن الأمور يجب أن تتغير. لو بقيت الأمور على ما هي عليه، لكانت كرة القدم قد انتهت بالنسبة له. لكان عليه أن يذهب ويعيش حياة طبيعية."
كانت تلك الكلمات القاسية بمثابة دافع قوي لمكبايك. بدأ أولى مبارياته في الدوري الممتاز مع سانت جونستون في الجولة الأولى من مباريات ما بعد الانقسام، وحافظ على مكانه حتى نهاية الموسم، مسجلاً ثلاث تمريرات حاسمة. ورغم هبوط سانت جونستون في النهاية، إلا أن هذه الفترة مهدت له الطريق لموسم أحلامه.
الهيمنة على دوري البطولة والانتقال إلى هارتس
في دوري البطولة الاسكتلندي (الدرجة الثانية)، سيطر مكبايك على المسابقة بشكل كامل. سجل هاتريك في المباراة الافتتاحية ضد بارتيك ثيسل، أحد المنافسين على اللقب، ليضع نبرة الموسم الذي سيقدمه. عاد مكبايك إلى دائرة الضوء بفضل سرعته الخارقة، وقوته البدنية الهائلة، ومهاراته في المراوغة. كما كانت غريزته التهديفية واضحة، حيث سجل 16 هدفاً في الدوري بأكمله.
هذه الصفات الجذابة لفتت انتباه نادي هارتس، متصدر الدوري الممتاز آنذاك، والذي اتفق معه على عقد مسبق في يناير. لكن مكبايك لم يحول تركيزه، بل ظل ملتزماً تماماً برد الجميل للنادي الذي أعاد إحياء مسيرته، مؤكداً أنه سيقاتل ليضمن بقاء سانت جونستون في الدوري ليصبح خصماً له في الموسم التالي. أنهى مكبايك الموسم مع سانت جونستون حاملاً العديد من الجوائز الشخصية، لكن الأهم بالنسبة له كان ميدالية الفوز بدوري البطولة قبل انتقاله إلى تاينكاسل.
تألق فوري في الدوري الممتاز واستدعاء منتخب اسكتلندا
حتى بعد توقيع عقد الأحلام مع هارتس، بدا أن القدر أراد أن يضع مكبايك تحت اختبار جديد. فبالرغم من أن ديريك ماكينز كان هو المدرب الذي وافق على ضمه، إلا أن المدرب كان قد رحل إلى رينجرز بحلول الوقت الذي بدأ فيه مكبايك مسيرته في غورجي. ورغم جلوسه احتياطياً في تصفيات دوري أبطال أوروبا ضد شتورم غراتس وأول مباراة في الدوري تحت قيادة ووتر فرانكن، سرعان ما اكتشف المدرب البلجيكي لماذا سارع هارتس للتعاقد مع نجم سانت جونستون.
بثماني مساهمات في الأهداف خلال 11 مباراة فقط – أبرزها هدف وتمريرة حاسمة في ديربي إدنبرة – أظهر مكبايك أنه قادر على التكيف بسلاسة مع الدوري الممتاز. هذا الأداء المذهل جعل من المستحيل على المدرب بوكونولي تجاهله عند اختيار قائمة المنتخب الاسكتلندي.
قال مكبايك بعد استدعائه لمنتخب بلاده: "لقد أحببت كل جزء من هذه الرحلة. شخصياً، أشعر أنني كنت بحاجة إلى تلك التجارب لأصبح اللاعب الذي أنا عليه الآن. كانت هناك الكثير من الانتكاسات، لكن النزول إلى مستويات أدنى، وإثبات نفسي، وشق طريقي صعوداً علمني الكثير. إذا أردت شيئاً بما يكفي وعملت بجد من أجله، يمكنك تحقيقه. لا أريد أن أتوقف هنا. أشعر أن لدي المزيد لأقدمه وسأستمر في العمل بجد لأظهر ما يمكنني فعله."
إن قصة جوش مكبايك ليست مجرد حكاية عن كرة القدم، بل هي ملحمة إنسانية عن الإصرار، والتواضع، والعمل الجاد، والقدرة على تحويل النكسات إلى نقاط انطلاق نحو النجاح. إنه مثال يحتذى به لكل من يواجه التحديات، ويؤكد أن الطريق إلى القمة نادراً ما يكون مستقيماً، لكنه دائماً ما يستحق العناء.