الرئيسية اليوم أمس غداً 📡 القنوات الناقلة 📰 الأخبار
📰 تقارير حصرية

ديربي بلغراد: "تيفو" راتكو ملاديتش يثير صدمة عالمية في صربيا

👁️ المشاهدات: 37 ✍️ الكاتب: كورا جو
ديربي بلغراد: "تيفو" راتكو ملاديتش يثير صدمة عالمية في صربيا

ديربي بلغراد: "تيفو" راتكو ملاديتش يثير صدمة عالمية في صربيا وتساؤلات حول الرياضة والسياسة

في ليلة كان من المفترض أن تكون مخصصة لكرة القدم وشغفها الأبدي، شهدت العاصمة الصربية بلغراد فصلاً جديدًا من «الديربي الأبدي» بين قطبي الكرة الصربية، النجم الأحمر وبارتيزان. ومع أن المباراة انتهت بفوز النجم الأحمر بهدفين لهدف في الدوري الصربي الممتاز، إلا أن الأضواء لم تكن مسلطة على الأداء الكروي أو أهداف الفوز، بل على مشهد أثار غضبًا عالميًا وإدانة واسعة: رفع جماهير النجم الأحمر لافتة "تيفو" عملاقة تُصوّر مجرم الحرب المدان راتكو ملاديتش.

التيفو المثير للجدل: إحياء لذكرى مؤلمة

قبل انطلاق صافرة البداية في المباراة التي جرت مساء الأحد، كشفت جماهير النجم الأحمر عن تيفو ضخم يغطي جزءًا كبيرًا من المدرجات، يحمل صورة راتكو ملاديتش. ملاديتش، الذي توفي في أغسطس الماضي وهو يقضي عقوبة السجن المؤبد الصادرة بحقه عام 2017 بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لا يزال شخصية مثيرة للجدل بشدة في منطقة البلقان وخارجها. هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها؛ ففي الشهر الماضي، فرض الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) غرامة مالية على النجم الأحمر بلغت 90 ألف يورو (حوالي 77 ألف جنيه إسترليني) بعد أن رفعت جماهيره لافتة مماثلة تمجّد ملاديتش خلال مباراة في الدوري الأوروبي ضد نادي فيكتوريا بلزن التشيكي.

راتكو ملاديتش: "جزار البوسنة" وسجل من الوحشية

يُعرف راتكو ملاديتش بلقب "جزار البوسنة"، وهو مسؤول عن أبشع الفظائع التي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. قاد ملاديتش وقواته حملة تطهير عرقي ممنهجة ضد السكان غير الصرب في البوسنة والهرسك خلال حروب يوغوسلافيا السابقة بين عامي 1992 و1995. من أبرز الجرائم التي أدين بها هي مذبحة سريبرينيتسا، حيث أشرف على قتل ما يقرب من 8 آلاف رجل وصبي مسلم في يوليو 1995. كما قاد حصار سراييفو الذي استمر لأكثر من ثلاث سنوات، وأسفر عن مقتل أكثر من 10 آلاف شخص، بما في ذلك الأطفال، نتيجة القصف والقنص المستمر.

بعد سنوات قضاها مختبئًا ومتمتعًا بحماية الرئيس الصربي الأسبق سلوبودان ميلوشيفيتش (الذي توفي لاحقًا أثناء محاكمته بتهم الإبادة الجماعية)، تم القبض على ملاديتش في مزرعة نائية عام 2011 وقدم للمحاكمة الدولية. إدانته كانت بمثابة إغلاق فصل مؤلم في تاريخ البلقان، ولكن يبدو أن الجروح لم تندمل بعد.

ردود الفعل الرسمية والدولية

أثارت هذه الواقعة موجة من الإدانات. نشرت حسابات النجم الأحمر على وسائل التواصل الاجتماعي فيديو للتيفو، مصحوبًا بصورة للاعبين وهم يلتزمون دقيقة صمت تضامنًا مع ملاديتش، إلى جانب رمز تعبيري (إيموجي) للتحية العسكرية. هذا التصرف دفع الحساب الرسمي للمنتخب البوسني لكرة القدم على منصة "X" (تويتر سابقًا) للرد بكلمة نابية تعبر عن مدى الغضب والاستفزاز الذي سببه المشهد.

تُظهر هذه الحادثة الانقسام العميق داخل المجتمع الصربي تجاه ملاديتش. فبينما يراه العالم أجمع مجرم حرب مدان، لا يزال يُحتفل به كبطل من قبل الآلاف في صربيا. وقد تجمع الآلاف في كنيسة ببلغراد لحضور جنازته العامة، وهو ما يؤكد على التعقيد التاريخي والسياسي الذي لا يزال يشق المجتمع الصربي.

تداعيات على كرة القدم الصربية وصورة النادي

تضع هذه التصرفات نادي النجم الأحمر والكرة الصربية عمومًا في موقف حرج أمام الرأي العام الدولي والهيئات الكروية. فالاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) يتبنى سياسة صارمة ضد أي مظاهر عنصرية أو سياسية أو تمجيد لشخصيات مثيرة للجدل في الملاعب. الغرامات السابقة هي دليل على هذا التوجه، ومن المرجح أن يواجه النجم الأحمر عقوبات أشد صرامة قد تتراوح بين غرامات مالية أكبر، أو إغلاق جزئي للمدرجات، أو حتى حرمان من المشاركة في المسابقات الأوروبية في حال تكرار المخالفات.

هذه الحوادث لا تسيء فقط لسمعة النادي، بل تلقي بظلالها على الرياضة ككل في صربيا، وتؤثر على جهود البلاد لتقديم صورة حديثة ومنفتحة على العالم. فكرة القدم، التي يفترض أن تكون عاملًا للوحدة والاحتفال، تتحول إلى منصة لتذكير بالماضي المؤلم والانقسامات العميقة، مما يضر بمبادئ الروح الرياضية واحترام الآخر.

الديربي الأبدي: بين الشغف والتوتر

يعتبر ديربي النجم الأحمر وبارتيزان واحدًا من أكثر الديربيات سخونة وحماسًا في أوروبا، ويعكس تاريخًا طويلاً من التنافس الكروي والثقافي. لكن عندما تطغى الرسائل السياسية المثيرة للجدل، خاصة تلك المتعلقة بجرائم حرب وإبادة جماعية، فإن ذلك ينتقص من قيمة الحدث الرياضي ويشوه رسالته النبيلة. على الأندية والجماهير مسؤولية كبيرة في الحفاظ على الملاعب كمساحات للتنافس الشريف والاحتفال باللعبة، بعيدًا عن أي أيديولوجيات أو شخصيات مثيرة للانقسام.

خاتمة: تحدٍ مستمر للرياضة في البلقان

تظل هذه الواقعة تذكيرًا مؤلمًا بأن منطقة البلقان لا تزال تكافح للتعافي من جروح الماضي. وبينما تحاول الأجيال الجديدة المضي قدمًا، فإن بعض المظاهر المتعصبة والتمجيد لرموز الانقسام تعرقل هذه الجهود. على الأندية والسلطات الكروية في صربيا مسؤولية تاريخية في التصدي لهذه الظواهر بحزم، وتثقيف الجماهير بأهمية فصل الرياضة عن السياسة المتطرفة، لضمان أن تكون الملاعب مكانًا للترفيه والإلهام، وليس لإحياء الكراهية والانقسام.