هل يمتلك باريس سان جيرمان مقومات بناء إمبراطورية كروية؟ قراءة في تاريخ العمالقة
في عالم كرة القدم، يتجسد النجاح بصور شتى؛ قد يكون لحظيًا وعابرًا، أو نتيجة جهد منظم ودأب مستمر يؤدي إلى الوصول إلى القمة، ولكن هناك فئة نادرة تتربع على عرش التاريخ، حيث يتطور مجدها ليصبح أسطورة خالدة، تُعرف بالإمبراطوريات الكروية. يبدأ باريس سان جيرمان الفرنسي حملته الأوروبية هذا الأربعاء، طامحًا في تحقيق إنجاز استثنائي والارتقاء إلى مصاف هذه النخبة، بالسعي نحو لقبه الثالث على التوالي في دوري أبطال أوروبا. إنها رحلة تتجاوز مجرد البطولات، لتلامس معنى الاستمرارية والهيمنة.
في هذا السياق، نستعرض مسيرة الأندية التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ المنافسات الأوروبية، ونقارنها بمسيرة الباريسيين الطموحة. قد يجادل البعض بأن كرة القدم سبقت تأسيس كأس أوروبا للأندية البطلة عام 1955، وأن أندية مثل "وولفرهامبتون" تحت قيادة ستان كوليس، أو عمالقة فيينا في كأس ميروبا، كانت لها هيمنتها. لكن تركيزنا هنا سينصب على قمة المجد الكروي، الجائزة الأغلى والأسمى: دوري أبطال أوروبا.
باريس سان جيرمان: فجر الإمبراطورية المنتظر؟
يُعد باريس سان جيرمان، صاحب الثنائية الأوروبية المتتالية، أحدث المنضمين إلى قائمة الطامحين لبناء إمبراطورية. على الرغم من بدايته المتعثرة في الموسم المحلي، وهو أمر اعتاد عليه الفريق، فإن المدرب لويس إنريكي يقود تشكيلة متجانسة تطمح للمجد الأوروبي. منذ استحواذ "قطر للاستثمارات الرياضية" قبل 15 عامًا، أصبح النادي القوة المهيمنة في فرنسا، لكن الوصول إلى اللقب الأوروبي المنشود لم يأتِ إلا بتغيير جذري في الفلسفة.
لقد أعلن الرئيس ناصر الخليفي عن "نهاية عصر البريق"، معلنًا عن الابتعاد عن سياسة الإنفاق المفرط والتركيز على "اللاعبين الشباب الواعدين" الذين يمكن تشكيلهم وفقًا لفلسفة إنريكي القائمة على الانضباط والتطور. كانت النتيجة تتويجين متتاليين بدوري أبطال أوروبا، مما وضع الفريق على أعتاب كتابة فصل جديد في تاريخ اللعبة.
«إنتر ميلان» الغراندي: عصر كاتيناتشيو الذهبي
في ميلانو، وخلال ستينيات القرن الماضي، بزغ نجم حقبة ذهبية أخرى بقيادة الأسطورة هيلينيو هيريرا. الأرجنتيني المولد، الذي ترعرع في الدار البيضاء وباريس، قاد «إنتر ميلان» إلى أمجاد لم يسبق لها مثيل. طبق هيريرا أسلوب "كاتيناتشيو" التكتيكي، والذي يصفه بأنه لم يكن دفاعيًا بحتًا كما يُعتقد، بل كان يعتمد على الهجمات المرتدة السريعة والفعالة. توج الفريق بلقب الدوري الإيطالي عام 1962-63، ثم حقق لقبه الأول في كأس أوروبا عام 1964 كأول فريق يفوز بالبطولة دون أي هزيمة. استمرت الهيمنة عامًا آخر، بفوزهم في نهائي عام 1965، ليؤكدوا جدارتهم باللقب.
«بنفيكا» أوزيبيو: اللعنة أم المجد؟
في البرتغال، كانت قصة «بنفيكا» مختلفة، لكنها لم تقل إثارة. قاد المدرب المجري بيلا غوتمن الفريق إلى لقبه الأوروبي الأول عام 1961، بعد أن استبدل كبار اللاعبين بوجوه شابة واعدة. انضم إليهم في تلك الفترة الأسطورة أوزيبيو، الذي قاد الفريق لتحقيق لقب ثانٍ على التوالي عام 1962، مسجلاً هدفين في النهائي ضد ريال مدريد الأسطوري. لكن قصة غوتمن مع «بنفيكا» انتهت بشكل درامي، حيث يُقال إنه لعن النادي بعد رحيله، متنبئًا بأنهم لن يفوزوا بلقب أوروبي لمدة 100 عام. رغم هذه الأسطورة، لم يتمكن «بنفيكا» من ترجمة وصوله المتكرر للنهائيات إلى ألقاب، ليصبح وصيفًا ثماني مرات، أربع منها في ستينيات القرن الماضي.
«بايرن ميونخ» الثلاثية التاريخية: قوة ألمانية لا تُقهر
في سبعينيات القرن الماضي، شهدت كرة القدم الأوروبية صعود عملاق ألماني آخر: «بايرن ميونخ». بفضل جيل ذهبي ضم حارس المرمى الأسطوري سيب ساب ماير، والقيصر فرانز بيكنباور، والمهاجم الهداف جيرد مولر، نجح البافاريون في الفوز بثلاثة ألقاب متتالية في كأس أوروبا (1974-1976). رغم تذبذب مستواهم المحلي في بعض الفترات، إلا أن خبرتهم وقدرتهم على حسم المباريات الكبرى كانت عاملاً حاسمًا. بعد الفوز المثير للجدل على ليدز يونايتد عام 1975، وعلى سانت إتيان عام 1976، دخل «بايرن» التاريخ كأحد أعظم الفرق في تاريخ البطولة، قبل أن يضطر للانتظار 25 عامًا أخرى لاستعادة اللقب.
«برشلونة» جوارديولا: عبور الحلم الكتالوني
قبل عصر «باريس سان جيرمان» الحالي، كانت هناك إمبراطورية أخرى تتربع على عرش كرة القدم الأوروبية: «برشلونة» تحت قيادة بيب جوارديولا. لم تكن إنجازات الفريق مقتصرة على لقبين في دوري أبطال أوروبا خلال ثلاث سنوات، بل امتدت إلى إرث كروي وفلسفة لعب غيرت وجه اللعبة. أسلوب "تيكي تاكا" الذي انبثق من أكاديمية لاماسيا، والذي اعتمد على الاستحواذ واللعب الجماعي، بقيادة نجوم مثل تشافي، إنييستا، بوسكيتس، وليونيل ميسي، لا يزال يُدرس ويُحتذى به حتى اليوم.
«ميلان» ساكي وكابيلو: عصر الهيمنة الإيطالية
بتمويل من سيلفيو بيرلسكوني، شهد «ميلان» فترة ذهبية لا تُنسى. بدأها أريجو ساكي، الذي بنى فريقًا لا يُقهر، وفاز بلقبين متتاليين في كأس أوروبا (1989، 1990). استمرت هذه الهيمنة تحت قيادة فابيو كابيلو، الذي قاد الفريق للفوز بلقب 1994، ساحقًا «برشلونة» بقيادة يوهان كرويف بـ 4-0 في نهائي تاريخي. استمرت هذه الحقبة حتى عام 1995، مرورًا بأسماء لامعة مثل رود خوليت، ماركو فان باستن، وفرانك ريكارد، ونجوم إيطاليين أصلاء مثل فرانكو باريزي وباولو مالديني.
«ليفربول» غرفة الأحذية: عبق التاريخ الإنجليزي
في فترة الهيمنة الإنجليزية على الساحة الأوروبية (1977-1984)، برز «ليفربول» كقوة لا يستهان بها. فاز الريدز بأربعة ألقاب في كأس أوروبا خلال هذه الفترة، مدعومين بفلسفة "غرفة الأحذية" الشهيرة. بدأ الإرث مع بيل شانكلي، ثم أكمله بوب بايزلي، الذي قاد الفريق للفوز باللقب الأوروبي الأول عام 1978، ثم استمر النجاح مع جو فاجان. حافظ الفريق على استمراريته عبر سلسلة من المدربين، محافظًا على هويته الكروية وأسلوبه المميز.
«ريال مدريد» الملوك: لا يُقهر في أوروبا
لا يمكن الحديث عن الإمبراطوريات الكروية دون ذكر «ريال مدريد». استطاع الفريق الملكي تحقيق إنجاز فريد بالفوز بخمسة ألقاب متتالية في كأس أوروبا (1956-1960)، بقيادة أساطير مثل ألفريدو دي ستيفانو، باكو خينتو، وفرانز بوشكاش. لم تكن هذه مجرد انتصارات، بل كانت تأسيسًا لأسطورة لا تزال تتجدد. في العصر الحديث، أعاد زين الدين زيدان كتابة التاريخ، بقيادة الفريق لتحقيق ثلاثة ألقاب متتالية في دوري أبطال أوروبا (2016-2018)، في إنجاز لم يسبق لأحد تحقيقه في حقبة دوري الأبطال.
«أياكس» الكرة الشاملة: ثورة هولندية
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أحدث «أياكس» أمستردام ثورة كروية بأسلوبه "الكرة الشاملة". قاد رينوس ميشيلز الفريق إلى لقبه الأوروبي الأول عام 1971، متبعًا بلقبين آخرين تحت قيادة ستيفان كوفاتش. تألق خلال هذه الفترة يوهان كرويف، الذي نقل فلسفة «أياكس» إلى «برشلونة»، ليترك إرثًا كرويًا لا يزال يلهم الأجيال. رغم نهاية هذه الحقبة الذهبية، إلا أن تأثير «أياكس» على كرة القدم العالمية لا يزال قائمًا.
خاتمة: رحلة البحث عن الهيمنة المستمرة
إن بناء إمبراطورية كروية ليس مجرد سلسلة من الانتصارات، بل هو مزيج من الفلسفة، الاستمرارية، التخطيط الاستراتيجي، والقدرة على التكيف. يطمح باريس سان جيرمان لأن يكون الفصل الأحدث في هذا السجل الذهبي، لكن التاريخ يذكرنا بأن الهيمنة الحقيقية تُبنى على أسس متينة، وتتطلب رؤية واضحة تتجاوز مجرد الألقاب اللحظية. هل سينجح النادي الباريسي في ترسيخ أقدامه بين عمالقة أوروبا، أم سيبقى مجرد محطة مضيئة في تاريخ اللعبة؟ الأيام والليالي الأوروبية القادمة كفيلة بالإجابة.