معركة رئاسة الفيفا: جياني إنفانتينو يسعى لولاية جديدة وسط عاصفة من الجدل
أكد الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) رسمياً أن رئيسه الحالي، جياني إنفانتينو، سيترشح لإعادة انتخابه في مارس المقبل، في خطوة تأتي وسط تصاعد غير مسبوق للتوترات والخلافات داخل أروقة المؤسسة الكروية الأهم عالمياً. ويشغل إنفانتينو هذا المنصب منذ عام 2016، خلفاً لسيب بلاتر، ويواجه الآن ضغوطاً هائلة وتحديات غير مسبوقة، خاصة بعد خطته المثيرة للجدل التي تم التراجع عنها لبيع حصص في مسابقات الفيفا لشركات استثمار خاصة.
الخطة التي وصفها الكثيرون بالثورية، والتي كانت تهدف إلى ضخ استثمارات ضخمة في خزائن الفيفا، أثارت موجة غضب عالمية واسعة النطاق، وخصوصاً من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا)، الذي هدد بمقاطعة جميع مسابقات الفيفا، بما في ذلك كأس العالم، في حال المضي قدماً فيها. هذا التهديد، الذي كان يمكن أن يشعل حرباً كروية عالمية، كشف عن عمق الانقسام حول رؤية إنفانتينو لمستقبل كرة القدم.
خطة إنفانتينو الاستثمارية: شرارة الأزمة ومواجهة مع اليويفا
تعود جذور الأزمة الحالية إلى كشف إنفانتينو عن خطته لإنشاء مسابقات جديدة، بما في ذلك دوري أبطال عالمي للأندية وكأس عالم موسع للمنتخبات، وتمويلها عن طريق بيع حقوق تجارية وحصص لمجموعة استثمارية خاصة بقيمة تزيد عن 25 مليار دولار. اعتبر إنفانتينو أن هذه الخطوة ضرورية لضمان استدامة التمويل وتطوير كرة القدم على مستوى العالم، وتوفير موارد إضافية للاتحادات الوطنية.
لكن اليويفا، بقيادة ألكسندر تشيفرين، اعتبر هذه الخطة بمثابة تفكيك لروح اللعبة وبيع لأصولها، متخوفاً من تأثير ذلك على المسابقات القائمة واستقلال الاتحادات القارية والوطنية. رأى اليويفا أن هذا التوجه يهدد مبادئ الشفافية والعدالة، ويفتح الباب أمام نفوذ خارجي قد يضر بمصلحة اللعبة. لم يقتصر الأمر على التهديد بالمقاطعة، بل تصاعد ليبلغ مرحلة الإجراءات القانونية، حيث تقدم اليويفا بأوراق قانونية في الولايات المتحدة يطلب فيها الكشف عن الأدلة والوثائق من الفيفا، محذراً من إمكانية تقديم شكوى جنائية في سويسرا.
صراع العمالقة: اتهامات متبادلة ومستقبل غامض
الرد من الفيفا لم يتأخر، حيث اتهم اليويفا علناً بشن «حملة تشويه ضد الفيفا وقيادته»، في تحدٍ واضح للإجراءات القانونية التي اتخذها الاتحاد الأوروبي. هذه الاتهامات المتبادلة تسلط الضوء على عمق الانقسام والعداء بين الهيئتين الأكبر في عالم كرة القدم، مما يهدد بتأثيرات سلبية على استقرار اللعبة وحوكمتها.
وفي خضم هذا التوتر، رفض إنفانتينو الإجابة عن أسئلة الصحفيين حول مستقبله خلال حضوره بطولة كأس العالم للسيدات تحت 20 عاماً في بولندا مؤخراً، مما زاد من الشكوك والتكهنات. ومع ذلك، فإن الإعلان الأخير من الفيفا يؤكد موقفه ورغبته في الاستمرار على رأس الهرم الكروي.
المشهد السياسي والبحث عن بديل: هل يظهر منافس قوي؟
حتى منتصف يوليو الماضي، كان يُنظر إلى إعادة انتخاب إنفانتينو على أنها أمر شبه مؤكد. وكانت غالبية الاتحادات الأعضاء في الفيفا، والبالغ عددها 211، قد أبدت دعمها له، ولم يكن يواجه تحدياً حقيقياً. إلا أن إعلانه عن الخطة الاستثمارية المتنازع عليها غيّر المشهد تماماً.
سحبت اتحادات كرة القدم في إنجلترا واسكتلندا وويلز وجمهورية أيرلندا، من بين أخرى، دعمها العلني لإنفانتينو، مما يشير إلى تزايد المعارضة. وتفيد تقارير إعلامية بأن اليويفا واثق من إمكانية العثور على مرشح قوي لمنافسة إنفانتينو، رغم أنهم تخلوا عن فكرة محاولة فرض تصويت بحجب الثقة، والتي تتطلب أغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء (159 صوتاً) لتمريرها عبر تغيير قوانين الفيفا، وهو أمر يعتبر غير واقعي.
لتقديم ترشح مقبول، يحتاج المرشح إلى الحصول على دعم ما لا يقل عن 106 من أصل 211 اتحاداً عضواً في الفيفا. حتى الآن، لم يتم الإعلان عن أي مرشحين لمنافسة إنفانتينو بشكل رسمي، لكن رئيس اتحاد الكونكاكاف، فيكتور مونتاغلياني، يعتبر خياراً جاداً محتملاً. الموعد النهائي لتقديم الترشيحات هو 18 نوفمبر، مما يترك وقتاً قصيراً نسبياً لتجمع المعارضة وتوحيد صفوفها خلف مرشح واحد.
تداعيات مستقبلية: إلى أين تتجه كرة القدم العالمية؟
إذا ما أعيد انتخاب إنفانتينو، البالغ من العمر 56 عاماً، فإنه سيخدم ولاية جديدة تمتد حتى عام 2031، مما يعني استمراره على رأس الفيفا لعقد كامل تقريباً. هذه الولاية الجديدة، إذا تمت، ستشكل حقبة حاسمة لتحديد مستقبل كرة القدم العالمية، لاسيما مع استمرار الجدل حول الإصلاحات المقترحة، وتقسيم الموارد، وتوازن القوى بين الفيفا والاتحادات القارية.
الصراع على السلطة داخل الفيفا ليس مجرد معركة شخصية، بل هو صراع على رؤية اللعبة، وتوزيع الثروات، ومستقبل المنافسات الكروية الكبرى. إن طبيعة هذه الانتخابات ستحدد ما إذا كانت كرة القدم العالمية ستتجه نحو المزيد من المركزية والسيطرة من الفيفا، أم ستشهد عودة لتقاسم النفوذ مع الاتحادات القارية والوطنية. المراقبون يتوقعون أسابيع حاسمة مليئة بالمفاوضات والتحالفات السرية، قبل أن تتضح الصورة النهائية للسباق الرئاسي الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الفيفا الحديث.