في رحلة تحمل عبق الذكريات وشغف المستقبل، تستعد منتخب جمهورية التشيك للعودة إلى ملعب ويمبلي العريق في لندن، لمواجهة منتخب إنجلترا ضمن منافسات دوري الأمم الأوروبية. هذه العودة تأتي بعد 30 عاماً من تلك الليلة التاريخية في يورو 1996، حيث وقف منتخب التشيك على بعد دقائق من تحقيق مجد أوروبي طال انتظاره، قبل أن تخطف ألمانيا اللقب بهدف ذهبي قاتل.
ذكريات يورو 96: الحلم الذي كاد أن يتحقق
في صيف عام 1996، كان منتخب جمهورية التشيك، الذي تأسس حديثاً بعد انفصال تشيكوسلوفاكيا، بمثابة الحصان الأسود في بطولة أمم أوروبا التي أقيمت في إنجلترا. لم يكن يتوقع الكثيرون، بل حتى لاعبو المنتخب أنفسهم، أن يصلوا إلى هذه المنافسة. كانت المفاجأة الأولى هي وصولهم إلى المباراة النهائية، وهو إنجاز لم يكن في الحسبان.
يستذكر باتريك بيرغر، أحد نجوم تلك الحقبة، كيف كان البعض لا يعرف بوجودهم في البطولة. يقول بيرغر: "كان زميلي في بوروسيا دورتموند، يورغن كولر، الذي كان يلعب للمنتخب الألماني، يسألني عن خططي للصيف. عندما قلت له إنني سأشارك في بطولة أمم أوروبا، سألني ما إذا كنت سأذهب لمشاهدة المباريات. أخبرته أننا سنلعب ضد ألمانيا في المباراة الافتتاحية، ثم سنلعب في النهائي! لقد ضحك بشدة".
بدأت التشيك مشوارها بالخسارة أمام ألمانيا 2-0، لكنها سرعان ما استعادت توازنها بفوز ثمين على إيطاليا 2-1. التعادل الإيجابي 3-3 أمام روسيا، بفضل هدف فلاديمير شميتسر المتأخر، ضمن لهم التأهل إلى الدور ربع النهائي، بعد تعادل ألمانيا وإيطاليا في المباراة الأخرى. "كنا لا نزال في المنافسة، لكننا لم نكن نعرف نتيجة المباراة الأخرى. في لحظة كنا خارج البطولة، وفي اللحظة التالية كنا متأهلين"، يضيف بيرغر.
بلغت التشيك الدور ربع النهائي لتواجه البرتغال، حيث سجل كارل بوبورسكي هدفاً لا يُنسى، يُعد من أجمل أهداف البطولة، بتسديدة فنية رائعة فوق الحارس فيتور بايا. وفي نصف النهائي، نجحوا في تخطي عقبة فرنسا القوية بركلات الترجيح، بعد انتهاء الوقت الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي.
كانت تلك الأمسية في ويمبلي، حيث واجهت التشيك ألمانيا في النهائي، لحظة تاريخية. تقدمت التشيك بهدف باتريك بيرغر من ركلة جزاء في الدقيقة 59. وكشف بيرغر أنه لم يكن هو المنفذ الأصلي للركلة، لكنه "رأى أن لا أحد يريد التقدم". هدف بيرغر كان على وشك أن يمنح التشيك اللقب، لكن أوليفر بيرهوف عادل النتيجة لألمانيا، قبل أن يسجل هدفاً ذهبياً تاريخياً ليحسم اللقب.
على الرغم من مرارة الخسارة، إلا أن وصول التشيك للنهائي كان بمثابة "الذهب" بالنسبة للاعبين وللبلاد. يقول بيرغر: "أحببت أن أكون بطلاً لأوروبا، لكن الفضية بالنسبة لنا كانت بمثابة ذهب، لأنها فتحت أبواباً كثيرة لنا وللجيل الذي تلا. بفضل يورو 96، وبسبب إقامتها في إنجلترا، لفتت انتباه ليفربول. استقبلنا 100 ألف مشجع في براغ يحتفلون بنا، وشعرنا وكأننا فزنا بالبطولة".
جيل 2004: ذهبية أخرى كادت أن تتحقق
لم تكن يورو 96 هي المحطة الوحيدة للتشيك في المحافل الأوروبية الكبرى. ففي عام 2004، قدم جيل آخر، ضم لاعبين مثل بيتر تشيك، ميلان باروش، توماش روزيسكي، إلى جانب المخضرمين شميتسر وبيرغر وبوبورسكي، أداءً لافتاً في يورو 2004. وصل المنتخب إلى نصف النهائي، لكنه خسر أمام اليونان، التي فازت باللقب في النهاية.
ويرى الصحفي التشيكي أوندري زالامال أن جيل 2004 كان "أفضل" من جيل 1996 من حيث الأداء الكروي. "كان لدينا شعور بأننا نستحق الفوز باليورو، لعبنا كرة قدم أفضل من عام 1996. لقد كانت هذه هي الذروة الثانية للجيل الذهبي".
واقع الكرة التشيكية اليوم: تحديات وتطلعات
بعد نجاحات الماضي، يواجه منتخب التشيك اليوم تحديات كبيرة. يرى زالامال أن السبب الرئيسي لعدم قدرة المنتخب على تكرار إنجازات الماضي هو "نقص المواهب الكروية مقارنة بالأجيال السابقة، وقلة اللاعبين في الأندية الكبرى".
يقود المنتخب حالياً المدرب الإسباني سانتياغو دينيا، وهو أول مدرب أجنبي في تاريخ المنتخب. يشهد الفريق مرحلة بناء جديدة، حيث يضم تشكيلة شابة إلى جانب الخبرة. العودة إلى ويمبلي تمثل فرصة لإثبات الذات، وتقديم أداء قوي أمام منتخب إنجلترا.
العودة إلى ويمبلي: فرصة للتاريخ الجديد
بعد مرور 30 عاماً على تلك المباراة النهائية التاريخية، يعود منتخب التشيك لمواجهة إنجلترا في ويمبلي. الملعب الذي شهد ذروة مجدهم وحزنهم، أصبح اليوم بمواصفات عصرية حديثة. هذه المواجهة ليست مجرد مباراة في دوري الأمم، بل هي فرصة للجيل الحالي لكتابة فصل جديد من التاريخ، ولإلهام الجماهير التشيكية، وللتأكيد على أن كرة القدم التشيكية لا تزال قادرة على تقديم المفاجآت.
مواجهة إنجلترا في ويمبلي، لن تكون مجرد مباراة كرة قدم، بل ستكون رحلة عبر الزمن، تمزج بين عبق الماضي وتطلعات المستقبل، في مسعى لإعادة إحياء أمجاد الكرة التشيكية على المسرح الأوروبي.