الرئيسية اليوم أمس غداً 📡 القنوات الناقلة 📰 الأخبار
📰 تقارير حصرية

إلفيرسبيرغ: من بلدة صغيرة إلى تحدي الكبار في البوندسليغا

👁️ المشاهدات: 45 ✍️ الكاتب: كورا جو
إلفيرسبيرغ: من بلدة صغيرة إلى تحدي الكبار في البوندسليغا

إلفيرسبيرغ: الحلم الألماني يتجسد في أصغر بلدة تصعد للبوندسليغا

في قصة تُحاكي أروع الخيال الكروي، تكتب بلدة إلفيرسبيرغ الألمانية الصغيرة فصلاً جديداً في تاريخ كرة القدم الألمانية، إذ تستعد لاستضافة أندية النخبة في الدوري الألماني الدرجة الأولى (البوندسليغا) للمرة الأولى في تاريخها. هذه البلدة، التي لا يتجاوز عدد سكانها 13 ألف نسمة ولا تمتلك حتى محطة قطار خاصة بها، أصبحت محط أنظار العالم بأسره، بعد أن حقق فريقها الكروي إنجازاً غير مسبوق بالصعود إلى دوري الأضواء.

يمثل هذا الصعود المذهل قفزة نوعية لفريق قضى سنوات طويلة يتنقل بين الدوريات الإقليمية، ليجد نفسه الآن على أعتاب مواجهة عمالقة الكرة الألمانية مثل بايرن ميونخ بقيادة هاري كين، وباير ليفركوزن، وبوروسيا دورتموند. إنها رحلة بطولية تبرهن أن الشغف والتخطيط السليم والعمل الجاد يمكن أن يتجاوزا الفوارق المالية والبني التحتية الهائلة.

صعود صاروخي يكسر حواجز المستحيل

شهد نادي إلفيرسبيرغ صعوداً مذهلاً وغير متوقع، حيث حقق ثلاثة ترقيات في غضون خمس سنوات فقط، لينتقل من الدرجة الرابعة إلى قمة كرة القدم الألمانية. على الرغم من أن قصص الصعود السريع ليست غريبة في عالم كرة القدم، إلا أن ما يميز تجربة إلفيرسبيرغ هو افتقارها إلى الدعم المالي الهائل الذي غالباً ما يدعم مثل هذه القفزات. على سبيل المثال، صعود نادي ريكسهام الإنجليزي من الدوريات غير الاحترافية إلى دوري الدرجة الأولى (التشامبيونشيب) كان مدعوماً بملكية أثرياء، وهو ما لم يكن متاحاً لإلفيرسبيرغ.

أكد المدير الفني للنادي، يوزيف فيلزمولر، على أن هذا الصعود لم يكن مجرد صدفة أو «قصة خيالية»، بل كان نتاج عمل دؤوب وتخطيط محكم. ويقول فيلزمولر: «قد يبدو الصعود وكأنه جاء بسرعة، لكن في كل مرحلة، كانت الأرضية صلبة قبل بناء المرحلة التالية. لقد فعلناها خطوة بخطوة، ولم يشعر الناس هنا بأنها حكاية خرافية لأنهم أقوياء جداً في اتخاذ قراراتهم وواضحون جداً في الطريقة التي يريدون اللعب بها وكيف نريد أن نتصرف كنادٍ. هذا هو السحر الحقيقي بصراحة، والكثير من العمل الشاق جداً».

الفلسفة الذكية خلف النجاح: عين أولي بوك الثاقبة

أحد أبرز الشخصيات التي تقف وراء هذا النجاح الملهم هو أولي بوك. انضم بوك، اللاعب السابق في الدوريات الألمانية السفلى، إلى إلفيرسبيرغ ككشاف في عام 2017، وفي غضون عام واحد فقط، تمت ترقيته إلى منصب المدير الرياضي. كان بوك يمتلك عيناً ثاقبة لاكتشاف المواهب الشابة ومنحهم الفرصة للتألق، وتحويلهم إلى لاعبين أساسيين في تشكيلة إلفيرسبيرغ.

أحد أبرز الأمثلة على نجاح استراتيجية بوك هو المهاجم نيك فولتماده. انضم فولتماده إلى إلفيرسبيرغ على سبيل الإعارة من فريق فيردر بريمن الثاني في عام 2022، وسرعان ما أثبت نفسه بتسجيل 10 أهداف في ذلك الموسم. هذا الأداء المميز لفت أنظار الأندية الكبرى، لينتقل لاحقاً إلى شتوتغارت قبل أن يحقق صفقة تاريخية بقيمة 69 مليون جنيه إسترليني للانتقال إلى نيوكاسل يونايتد العام الماضي. هذا النجاح الباهر لفت انتباه بوروسيا دورتموند، الذي عيّن بوك مديراً رياضياً في أبريل، مشيداً بشكل خاص بقدرته على اكتشاف وتطوير اللاعبين الشباب «مما يخلق قيمة للفريق».

على الرغم من رحيل بوك، لم تتغير فلسفة إلفيرسبيرغ للموسم الجديد. فقد أكد فيلزمولر: «لن نفعل أي شيء مختلف. الهوية تبقى كما هي وتستند إلى ثلاث ركائز أساسية. الأولى هي أن نكون شجعاناً، والثانية هي أن نكون مكثفين، والثالثة هي أن نكون أذكياء. سترى عندما تشاهدنا أننا نريد لاعبين ذوي كثافة عالية، وهذا سيظل كذلك إلى الأبد».

تحدي البوندسليغا: رحلة إلى المريخ؟

لم يقلل مدرب الفريق، فينسنت فاغنر، من حجم المهمة الصعبة التي تنتظر فريقه في دوري الأضواء، واصفاً مهمة تجنب الهبوط بأنها «مثل رحلة إلى المريخ». هذه الكلمات تعكس حجم التحدي الذي يواجهه الفريق في دوري يضم نخبة الأندية الأوروبية، ولكنها أيضاً تحمل في طياتها روح الإصرار والعزيمة التي تميز النادي.

يؤمن فاغنر بقدرة فريقه على مواكبة الإيقاع على الرغم من الفارق الهائل في الإمكانيات. ويقول: «بالنسبة لنا، تبدو البوندسليغا بعيدة جداً في بعض الأحيان. ومع ذلك، إذا نحينا جانباً البنية التحتية والمال وركزنا فقط على لعب كرة القدم، يمكننا -بشكل مضحك- بطريقة ما مواكبة الإيقاع بالفعل. لقد خضنا فترة إعداد طويلة ومكثفة، وعززنا الفريق قدر الإمكان، وتمكنا من الاحتفاظ بمعظم اللاعبين الذين أردنا الاحتفاظ بهم».

الموسم القادم سيكون اختباراً حقيقياً لـ «شجاعة، كثافة، وذكاء» إلفيرسبيرغ. فالفريق سيواجه أندية عملاقة مثل بايرن ميونخ، الذي لا يحتاج إلى تعريف، وباير ليفركوزن الذي قدم موسماً استثنائياً مؤخراً، بالإضافة إلى بوروسيا دورتموند صاحب التاريخ العريق. ستكون المباراة الافتتاحية على أرضهم ضد باير ليفركوزن، الفريق الذي كتب بدوره قصة نجاح باهرة قبل عامين بفوزه بالدوري دون هزيمة، هي فرصة لإلفيرسبيرغ لإثبات أنهم ليسوا مجرد ضيوف شرف.

المدينة تحتفل: كرة القدم جزء من النسيج الاجتماعي

لا يقتصر تأثير هذا الصعود التاريخي على النادي وحده، بل يمتد ليشمل النسيج الاجتماعي لمدينة إلفيرسبيرغ بأكملها. فالشوارع تزينت بأعلام النادي، والناس يرتدون قمصان الفريق وقبعاته بفخر واعتزاز. يؤكد فيلزمولر على هذا الشعور قائلاً: «ما حدث في السنوات القليلة الماضية كان استثنائياً للمدينة. عندما تسير أو تقود السيارة في المدينة حالياً، ترى أعلام إلفيرسبيرغ في كل مكان، وترى الناس يتجولون بمنتجات الفريق مثل القبعات أو القمصان، مما يجعلنا جميعاً نشعر بالفخر الشديد. أشعر أن النادي جزء من حياة الناس هنا».

إن التزام النادي بتوسعة ملعبه لزيادة سعته إلى 15 ألف متفرج، أي ألفي مقعد أكثر من عدد سكان البلدة نفسها، يعكس الطموح الكبير للمشروع واندماجه العميق في هوية المجتمع المحلي. إنها قصة ملهمة عن الشغف والتفاني، وعن قدرة كرة القدم على توحيد المجتمعات وتحقيق الأحلام، حتى في أصغر البلدات. إلفيرسبيرغ على وشك أن تثبت للعالم أن الحجم لا يهم عندما تكون الروح والعزيمة حاضرة بقوة.